الشيخ محمد الكسنزاني الحسيني
55
موسوعة الكسنزان فيما اصطلح عليه أهل التصوف والعرفان
الله سبحانه وتعالى ، وبعد الاهتداء يأتي الاقتداء فيبدأ الناس بالطاعة والعبادة على وفق ما تنص عليه الشريعة . فإن أدى أحدهم العبادة كاملة بشروطها الظاهرة والباطنة ، واتقى الله حق تقاته فإنه يصل بالنتيجة إلى المرتبة التي يصبح فيها هو مستجاب الدعاء ، وهذه الاستجابة تمثل ثمرة عبادته ولبها ، وهو ما عبّر عنه حضرة الرسول الأعظم صلى الله تعالى عليه وسلم بعبارة : ( مخ العبادة ) . إذاً فمخ العبادة يعني : الوصول إلى ثمرة العبادة ولبها والغاية منها ، وليس إلا مرتبة الدعاء المستجاب ، أي أن يصبح دعاء العابد مستجاباً ملموساً في التو واللحظة . ولكن ما الغاية من وصول المؤمن إلى مرتبة الدعاء المستجاب ؟ إن الغاية من ذلك هي أن يتحقق المؤمن بنفسه هو من وجود ذات الله سبحانه وتعالى ، وأنه تعالى حاضر وناظر ومحيط بكل شيء ، وذلك يكون حين يدعو فيستجاب له مباشرةً ، فهذا ينقل العبد من مرتبة الإيمان التقليدي الذي يتبع فيه العبد غيره من غير حجة ولا برهان إلى مرتبة الإيمان التحقيقي الذي يستوثق منه بنفسه ويطمئن فيه قلبه « 1 » . هذا الانتقال من مرتبة إيمانية إلى مرتبة إيمانية أخرى ، هو المشار إليه في قوله تعالى على لسان الخليل إبراهيم عليه السلام : رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِ الْمَوْتى قالَ أَ وَلَمْ تُؤْمِنْ قالَ بَلى وَلكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي « 2 » . فكما هو معروف إن نبياً مثل إبراهيم عليه السلام لا شك أنه يؤمن بقدرة الله تعالى على إحياء الموتى ، ولكنه أراد رؤية الكيفية التي يتم بها ذلك ليصل في النتيجة إلى الغاية من العبادة ، وهو مرتبة الإيمان التحقيقي ، أو ما يسمى : بمرتبة الاطمئنان في الإيمان . وهكذا هو الأمر مع عباد الله ، فإن عليهم الطاعة التامة والاتباع الكامل لما أنزل
--> ( 1 ) - الإيمان التقليدي : هو أن يعتقد الإنسان بوجود الله تعالى من باب تقليد الوالدين أو أهل البلد أو اعترافاً بقول علماء أمته من غير حجة ولا برهان ذاتي عنده أي لم يدخل نور الإيمان في قلبه ولم ين - زرع فيه فينشرح به صدره . وهذا الإيمان لا يعتمد عليه لأنه قريب التزلزل بتشكيك مشكك أو بمغالطة متزندق وهو معرض للشبهات والوساوس . الإيمان التحقيقي : هو أن ين - زرع في القلب نور الإيمان ويملأه فيشهد المؤمن بهذا النور الحقائق المحمدية والإلهية التي تعجز الحواس الظاهرة عن إدراكها ، فيتحقق ويتيقن ويرى بنور الله ما أمر الشرع بالتصديق بوجوده من أمور الغيب على قدر إيمانه وتقواه . وهذا إيمان راسخ لا يجد صاحبه شكاً أو تردداً أو ريباً فيه ولو خالفه أهل الأرض جميعاً فيما انطوى عليه قلبه منه . فالإيمان التقليدي هو ايمان بالوسائط والعلائق وهو ايمان العوام . والإيمان التحقيقي هو ايمان المكاشفة والمشاهدة وهو ايمان خلاصة الخواص . ( 2 ) - البقرة : 260 .